الاثنين، 5 يوليو، 2010

أفغانستان .. وصفقة "الشيطان"!


تبدو أفغانستان هذه الأيام على أعتاب مرحلة جديدة تشهد تغيرات جذرية على أرض الواقع ، سواء على صعيد المشهد السياسي أو العسكري أو الداخلي ، حيث تتردد تقارير عن احتمال إبرام "مصالحة" تاريخية بين حكومة الرئيس حامد كرزاي والإدارة الأمريكية من جانب وبين حركة طالبان المتمردة من جانب آخر ، بعد أن أصبح واضحا أن واشنطن عازمة على سحب قواتها من أفغانستان قبل عام 2011 لا محالة ، وأنها لا تزال حتى هذه اللحظة تفقد الثقة في قدرة كرزاي وحكومته على إدارة الأمور بالشكل الصحيح بعد الانسحاب ، بل ومن الآن.

وبعد أن اضطرت الولايات المتحدة في "تجربة" العراق إلى قبول مبدأ الاستعانة ببعض البعثيين السابقين للعودة إلى المسرح السياسي لإنقاذ الموقف ، بل إنها اختلفت مع الحكومة العراقية بشدة في العام الماضي بسبب إصرار واشنطن على عودة هذه العناصر ذات الخبرة في الشئون السياسية والمدنية ، أثبح لزاما على واشنطن أن تفعل المثل في أفغانستان بمد يدها إلى طالبان المتحالفة مع القاعدة ، وهما الخصمان اللدودان اللذان حلت القوات الأمريكية على الأراضي الأفغانية في أواخر عام 2001 للقضاء عليهما في أعقاب هجمات سبتمبر!

الفكرة مجنونة ، ولكنها واقعية للغاية ، وتعكس فشلا ذريعا للفكر العسكري الأمريكي الذي انتهجته الإدارة الأمريكية السابقة في العراق وأفغانستان في إطار ما يسمى بالحرب على الإرهاب ، فمن حاربه جورج بوش الإبن في العراق وأفغانستان يستغيث به الرئيس الحالي باراك أوباما الآن لإتمام عملية سحب القوات الأمريكية من أرض المعركتين "على خير" ، لأن الإبقاء على نظام ضعيف ، وخاصة في أفغانستان ستكون له عواقب وخيمة.

والحديث عن صفقة محتملة بين كرزاي وطالبان كان يعتبر ضربا من الجنون قبل سنة أو اثنتين ، ولكنه الآن حقيقة ، أو ستصبح كذلك خلال أسابيع وربما أشهر قليلة ، ومما يمهد لذلك حركة تغييرات واسعة النطاق في المناصب حدثت في الآونة الأخيرة بين المتحالفين الثلاثة الأبرز على الساحة الأفغانية ، سواء في الولايات المتحدة بإقالة الجنرال ستانلي ماكريستال ، أو في بريطانيا بإقالة رئيس الأركان ، أو حتى في أفغانستان بعد إطاحة كرزاي باثنين من أقوى رجاله وهما وزير داخليته حنيف الله أثمر ورئيس المخابرات أمر الله صالح.

هناك تحذيرات جمة مما يمكن أن يحدث بسبب هذه الصفقة ، فصحيفة "نيويورك تايمز" أفزعت أوباما بتقرير ذكرت فيه مؤخرا أن تحالف طالبان – كرزاي المتوقع سيدفع بأفغانستان إلى شفا حرب أهلية دموية لن يكون للقوات الأمريكية مكان فيها ، إذ أن وصول طالبان إلى السلطة بشكل أو بآخر سيثير غضب القوميات الثلاث الرئيسية الأخرى في أفغانستان بخلاف طالبان ، وهي الأوزبك والطاجيك والهزارة ، فضلا عن أقلية من البشتون المناوئين لطالبان.

وأشارت الصحيفة إلى تصريحات صدرت عن قادة كبار في هذه القوميات أكدوا فيها استعدادهم لحمل السلاح فورا في حالة عودة طالبان إلى الحكم ، ونظرا لأن هذه القوميات تشكل أكثر من نصف عدد سكان أفغانستان ، فإن حربا أهلية كهذه ستكون أمرا لم يسبق له مثيل ، ولن يكون بمقدور واشنطن ولا الناتو ولا كرزاي التعامل معها ، أضف إلى ذلك أن إقالة ماكريستال قوضت ثقة المواطن الأفغاني العادي في حلف "الناتو" وقدرته على الدفاع عن أمن البلاد أو حماية كرزاي الذي سيصبح في هذه الحالة "شمعة" في مهب الريح بعد أن خسر ثقة حلفائه وزادت عزلته ومخاوفه بعد تخليه عن "أثمر" و"صالح" ، وهو يحاول من الآن تشكيل شبكة جديدة من الحلفاء للارتكان إليهم في حالة تعرضه لضغوط داخلية أو خارجية ، وهؤلاء الحلفاء من بينهم إيران وطالبان والموالين لطالبان في باكستان ، والبشتون بصفة عامة.

أما عن صفقة كرزاي – طالبان نفسها ، فالواقع أن من يدير الأمر هم الأمريكيون وليس كرزاي نفسه ، وهو ما أكده ديفيد إجناشيوس في مقال له بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ، حيث ذكر أن الجانبين يتحاوران حاليا – كلا مع نفسه – بشأن تحديد شكل هذه المصالحة المقبلة وشروطها وكيف يمكن أن تحدث ، مشيرا إلى أن كل طرف منهما يشعر بالإرهاق من كثرة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها من جراء المعارك الأخيرة ، ويريد كل منهما أن يستفيد قدر الإمكان من المصالحة في تقوية نفوذه والحصول على وضع قوي في المرحلة المقبلة.

وعلى الرغم من تأكيد إجناشيوس على أن طالبان هي الأكثر تضررا – على الصعيد النفسي – من خسائرها الأخيرة ، فإنها ما زالت الطرف الأقوى في المعادلة باعتبارها الطرف "الدائم" أي الذي سيبقى "في الصورة" ، بل إن طالبان يمكنها استخدام الحديث عن المصالحة كمناورة تكسب بها بعضا من الوقت وتلتقط أنفاسها لحين خلو الساحة لها بعد عام عندما تنسحب القوات الأمريكية من أفغانستان ، لتنقض الحركة المتمردة بعد ذلك على كرزاي إن كان لا يزال في السلطة.

كل طرف أعلن شروطه الرئيسية : فطالبان يريدون أن يكون لهم دور ونفوذ في الحكم ، فضلا عن الشرط الأساسي وهو خروج كافة القوات الأجنبية من البلاد ، وهو شرط ذكي باعتبار أن خلو أفغانستان من القوات الأجنبية يعني بالضرورة أن طالبان ستكون أقوى الموجودين في أفغانستان ، بينما تشترط الولايات المتحدة قطعا كاملا لعلاقات طالبان مع القاعدة ، وربما التخلي عن أسامة بن لادن زعيم القاعدة صراحة ، فضلا عن إلقاء السلاح ، والخضوع للقوانين الأفغانية الحالية.

وعلى الرغم من أن طالبان لا تعترض على أي من هذه الشروط كما هو واضح من خلال الاعترافات التي استقتها المخابرات الأمريكية من قادة طالبان البارزين الذين تم اعتقالهم في الآونة الأخيرة وتحدثوا عن تفاصيل بشأن ما يفكر فيه قادتهم الأرفع شأنا ، فإن واشنطن ما زالت متشككة حتى هذه اللحظة من رغبة طالبان في تحقيق مصالحة حقيقية ، بدليل ما ذكره ليون بانيتا مدير المخابرات الأمريكية من أنه لم يعثر حتى الآن على دليل يؤكد وجود مصلحة لطالبان من هذه المصالحة نظرا لعلمهم بأن الساحة ستخلو لهم بعد عام وأنهم ما زالوا حتى الآن هم الطرف الأقوى ، فضلا عن معلومات أخرى تفيد بأن الملا عمر نفسه غير راغب في المصالحة التي ستقوض صورته أمام أتباعه الذين سيرون فيه قائدا يتحالف مع الأعداء.

ومع ذلك ، فاحتمالات المصالحة أيضا قوية ، خاصة وأن البشتون يعتبرون في ثقافتهم أن المصالحة ممكنة مع "الأعداء" إذا كانت القوة متكافئة بين الطرفين ، وهو ما يمكن أن يوجد مخرجا للملا عمر من هذا المأزق ، ويدفعه إلى التصالح مع "الأعداء".

ولا ننسى أن فكرة تصالح الأمريكيين مع طالبان هي الأخرى "قاسية" وتنطوي على مخاطرة لأنه أشبه بفكرة الاستعانة بـ"الشيطان"!

الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

شيزوفرينيا!

بقلم : هاني عسل

لو حدثت مشكلة المآذن هذه في دولة مثل مصر لتساءل بعض المعلقين بالعبارة الساخرة التقليدية : "هل انتهينا من حل كل مشاكلنا حتى نناقش مشكلة المآذن"؟! .. ولكن في سويسرا الوضع مختلف تماما!

فهل يعرف أحد منا في مصر اسم رئيس سويسرا أو رئيس وزرائها؟ هل نعرف عن سويسرا شيئا غير "الساعات السويسرية"؟ أو "الشيكولاتة السويسرية"؟! ربما سمعنا القليل عن "الحسابات البنكية السرية" التي كانت سببا - أو ربما نتيجة – لازدهار صناعة الخدمات المصرفية في هذه الدولة الصغيرة المحاطة بالدول الأخرى من كل جانب بعد أن تحولت سويسرا بموجبها إلىملاذ آمن لأثرياء العالم الذين يريدون تأمين ثرواتهم بوضعها في مكان آمن لا يطلع عليه أحد ولا يصل إليه أحد.

وربما يعرف عامة المصريين عن سويسرا أيضا أنها مقر الفيفا "الاتحاد الدولي لكرة القدم" ، وموطن جوزيف بلاتر رئيس "جمهورية الفيفا العالمية" ، ومقر نادي سيون الذي لعب له عصام الحضري!

وربما يعرف قطاع "قليل" من المصريين أن سويسرا "المحايدة" هي مقر لعدد كبير من المنظمات الدولية ويقترن اسمها بأسماء عدد غير قليل من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، كما يكن مستخدمو الإنترنت وهواة متابعة المواقع الإخبارية كثيرا من الاحترام لموقع "سويس إنفو" الذي يعد من المواقع الإخبارية المتميزة على الشبكة العالمية ، كما أن سويسرا هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكن أن تبحث عن اسمها في موقع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي.آي.إيه." الشهير على الإنترنت وتدخل إلى خانة "الصراعات الدولية أو الإقليمية" ، لتجد أن هذه الخانة مكتوب عليها عبارة "لا يوجد" ، أي أن هذه الدولة التي يصل متوسط دخل الفرد السنوي فيها 65 ألف دولار لا توجد لها أي نزاعات أو خلافات سياسية أو عسكرية مع أي دولة مجاورة أو غير مجاورة ، وحتى بالبحث في خانة "مشكلات داخلية" سنجد أن سويسرا تعاني من مشكلة واحدة فقط هي الإتجار غير الشرعي في المخدرات المرتبط بغسيل الأموال .. وهذا كل شيء!

لقد دفعت قضية الاستفتاء على حظر بناء المآذن اسم "سويسرا" ليحظى للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بمكانة مرموقة بين عبارات البحث على موقع "جوجل" الشهير على الإنترنت ، ويكفي كتابة اسم "سويسرا" باللغة العربية على خانة البحث على هذه المحرك الشهير لتجد أن نتائج البحث تتخطى 10 مليون نتيجة بحث!

إذن فمن الواضح أن سويسرا ليست لديها مشكلات بالفعل ، ولهذا لم يكن أمامها سوى "صناعة" مشكلة من لا شيء لكي يكون لديها "مشكلة" تخرج مواطنيها من حالة الحياد الممل التي تسود منذ عهد حروب نابليون بونابرت!

إذن ، فمشكلة سويسرا أنها عثرت على مشكلة ، مع الوضع في الاعتبار أن عدد سكان سويسرا كلهم لا يتعدى 7,6 مليون نسمة ، وأن المسلمين من بينهم لا يشكلون أكثر من 4,3% من إجمالي عدد السكان ، أي أن مشكلة المآذن لا تتربط سوى بعدد لا يكاد يزيد كثيرا عن عدد سكان مدينة عربية واحدة!

لم تكن قضية الاستفتاء على المآذن مشكلة عادية ، فهي دليل جديد على استمرار تصاعد قوى اليمين المتطرف في أوروبا بصفة عامة ، وهي إحدى مظاهر صراع الدول الأوروبية من أجل الحفاظ على هويتها المسيحية ، بدليل أن القضية لم تكن مرتبطة بفكرة بناء مسجد ، وإلا لأصبحت سويسرا متهمة صراحة بانتهاك الحريات الدينية ، وإنما في وجود "مئذنة" أعلى هذا المسجد ، وهو ما أكد عليه السفير السويسري في تصريحاته الأخيرة لـ"الأهرام" التي شدد فيها على أن قرار منع بناء المآذن لا يعبر عن اعتراض سويسري رسمي على الجالية المسلمة أو على الإسلام كدين وثقافة ، وهو تصريح يؤكد أن سويسرا أوقعت نفسها – في إطار بحثها عن مشكلة – في نفس دائرة الفهم الخاطيء للإسلام وسوء التقدير لهذا الدين العظيم ، التي وقعت فيها من قبل دول غربية أخرى ، مثل الولايات المتحدة التي ربطت إبان إدارة جورج بوش الإبن بين الإسلام والإرهاب ، وفرنسا التي تعاملت مع الحجاب والنقاب على أنهما مجرد رمزين لا قيمة لهما ، وأيضا تلك الدول التي نشرت وتبنت الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم ، معتقدة أن الأمر مجرد وسيلة "لهو" بريئة بشعار حرية التعبير ، ودول أخرى تبنت المسيئين للإسلام من أمثال سلمان رشدي وجيرت فيلدرز ورفعتهم مكانا عليا في تحد سافر لمشاعر المسلمين الذين يشكلون خمس سكان العالم.

سوء النيات مستبعد في حالة سويسرا ، ولكن الفهم الخاطيء للآخر بات أمرا لافتا في المجتمعات الأوروبية ، خاصة وأن الأمر الآن لم يعد مجرد رسما مسيئا في صحيفة لكي يمكن التذرع بمبدأ عدم جواز تدخل الحكومات في حرية الإعلام ، وإنما الاستطلاع السويسري يعبر عن اتجاه شعبي عام أثبتته الأغلبية وبات لزاما على الحكومة بدورها أن تتبناه وتنفذه ، والمسئول عن الفهم الخاطيء هنا ليس الحكومة السويسرية وحدها وإنما الجالية الإسلامية والمؤسسات الإسلامية في الداخل السويسري التي تعاملت منذ البداية مع هذه القضية على أنها قضية داخلية تخصهم وحدهم وأنهم قادرون على حلها بمفردهم ، دون مراعاة حقيقة أن أي قضية تمس المسلمين في أي دولة في العالم هي قضية تعني المسلمين جميعها.

ومن حسن الحظ أن الأمر ليس خطيرا إلى هذه الدرجة ، فحرية العبادة مكفولة بالفعل في سويسرا ، ومسجد بدون مئذنة لن يمثل مشكلة من الناحية العقائدية ، ولكن المشكلة تكمن في أنها "إهانة" دون قصد ولا مبرر إلى المسلمين بصفة عامة تكررت بشكل أو بآخر أكثر من مرة في دول غربية أخرى ، فالمئذنة ليست مدفعا أو قاعدة صواريخ تستدعي طرح أمرها على استفتاء على غرار استفتاء جرى مؤخرا لحظر بيع الأسلحة السويسرية إلى دول في حالة حرب مثل باكستان أو تشاد.

ختاما يكفي أن نقول إن صحيفة "الجارديان" البريطانية علقت على نتيجة الاستفتاء السويسري بأنها "عار" على سويسرا ، ويكفي هذا التعليق للتأكيد على حجم الخطأ الذي وقعت فيه هذه الدولة الصغيرة الثرية المسالمة والمحايدة ، وعلى أن مرض الإسلاموفومبيا في أوروبا بات بالفعل يحتاج إلى وقفات كثيرة بعد أن تحور المرض ليصبح اسمه الحقيقي هو "الجهل فوبيا" ، وأنه بدلا من أن يصر الغرب على تلقين دول العالم العربي والإسلامي دروسا في حقوق الإنسان والديمقراطية وحماية الأقليات ، فإن عليه أولا أن ينصت أولا إلى هذه الدول فيما يجهله بدلا من طرح أمور كهذه في استفتاء يصوت فيه عموم الناس الذين يقل مستوى معرفتهم وفهمهم عن حكومتهم.

"إضحك" .. أو "إرفع ضغطك" .. مع الإعلام الجزائري!

بقلم : هاني عسل

"اليهود" .. "أبناء الـ ....." .. "أعداء غزة" .. أصدقاء إسرائيل" .. "مصرائيل" .. "آل فرعون" .. هذه هي العبارات التي استخدمتها وسائل الإعلام الجزائرية منذ ما قبل مباراة المنتخبين المصري والجزائري في البليدة التي وصفت هي الأخرى بـالموقعة" و"المقبرة" ، والتي ما زال الإعلام الجزائري يزعم حتى الآن أنها جرت في أجواء "ودية" وأنه كان "مؤدبا" حتى النهاية ، رغم أن أبسط ما يقال عنها إنها انتهت بعقوبات مالية موقعة من قبل الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" على "الخضر"!

ومن خلال متابعة متفحصة للمضمون الإعلامي للصحف الجزائرية منذ مباراة البليدة الأولى ، سنجد أنه لم يحدث في يوم من الأيام أن كانت هناك "تهدئة" ولا "أجواء ودية" من الجانب الجزائري ، بل كانت اللغة السائدة هي لغة الحرب والكراهية والتعليقات العنصرية والبذيئة ، سواء في عناوين هذه الصحف أو في أخبارها الكاذبة التي نشرت على مدار أشهر طويلة ، وخاصة عبر مراسلين أو موفدين للصحف في القاهرة ، أو من خلال تعليقات القراء على المواقع الإليكترونية لهذه الصحف ، وخاصة "الشروق اليومي" و"النهار" و"الخبر" و"الهداف" ، والتي حملت - وما زالت تحمل حتى يومنا هذا - عبارات تحتاج إلى مليون نقابة محامين مصرية وليس نقابة واحدة لإقامة دعاوى قضائية فيها ، بل يكفي مجرد ذكر وصف المصريين بـ"اليهود" "وأصدقاء إسرائيل" هذه في ملف الفيفا لكي تنقلب الدنيا رأسا على عقب على الفريق الجزائري!

بداية ، نستنبط من خلال معظم الأخبار والتقارير التي نشرتها الصحف الجزائرية منذ ما قبل مباراة البليدة وحتى ما بعد مباراة أم درمان التي جرت في أجواء "غير نظيفة" بلغة الفيفا ، أن الإعلام الجزائري ثابت منذ البداية على مباديء أساسية :

أولها : أن هذه الصحف كانت تتابع كل صغيرة وكبيرة عن كل "نفس" يصدر من أي مواطن مصري ، سواء فيما يتعلق بكرة القدم أو حتى بأشياء أخرى قد لا تهمنا نحن كمصريين ، لدرجة أن أكثر أخبار الكرة المصرية تفاهة وأخبار النميمة التي تمتليء بها الصحف والفضائيات المصرية الخاصة عن نجوم الكرة وتصريحاتهم وخلافاتهم ومشكلاتهم الشخصية كانت "مانشيتات رئيسية" في صحف الجزائر طوال هذه الأشهر السوداء.

ثانيها : أن كافة تعليقات القراء على المواقع الإليكترونية في هذه الصحف يستنبط منها نغمة كراهية "ِشبه جماعية" لا يريد أن يعترف بها أو يراها أعضاء "الطابور الخامس" في مصر ، بدليل أن أحد لاعبي الجزائر صرح قبل مباراة القاهرة بأنه يريد أن ينتصر على المصريين لنصرة شعب غزة ، وكانت التعليقات التي تصف المصريين باليهود تعيد إلى الأذهان أجواء جبهة الصمود والتصدي التي كانت تتزعمها الجزائر إبان المقاطعة العربية "الخائبة" لمصر عقب كامب ديفيد.

ثالثا : أن الإعلام الجزائري كان واضحا منذ البداية في التعامل مع المباراة على أنها مباراة بين دولتين أو بين شعبين وليست مباراة في كرة القدم ، فقد كانت العبارة التي تتردد دائما على ألسنة القراء "الحقد المصري على كل ما هو جزائري" ، رغم أن أحدا منهم لم يسأل نفسه عن مبررات النجاح والإنجاز أو التقدم التكنولوجي التي يمكن أن تجعل مصريا واحدا "يحقد" على الجزائر! وكان الانطباع السائد لدى الجزائريين – إعلاما وشعبا – عن المصريين أنهم "حاقدون" و"ممثلون" وليس لهم إلا في "الهدرة" ، وهو تعبير جزائري يعني "كثرة الجعجعة"!

رابعا : أن الإعلام الجزائري كان يستمد قوته من الصحف والمواقع والفضائيات المصرية التي تتفنن في إظهار "أقذر ما لدينا من غسيل" أمام العالم كله ، وهي النقطة التي تحدث فيها الممثل الشاب أحمد حلمي في برنامج "البيت بيتك" مع الإعلامي محمود سعد والدكتور أحمد عكاشة ، وقال عنها إنها عيب خطير لدى إعلامنا ، وهو التباري في طعن مصر وإضعاف موقفها في مثل هذه الأزمات ، ويتحمل هذا الإعلام أيضا مسئولية نشر قضايا محلية لا يجوز إظهارها على الفضائيات ، ولا يوجد دولة تفعل ذلك على الإطلاق في نفسها ، لدرجة أن صحيفة جزائرية نشرت تقريرا يتهكم على رغبة مصر في التأهل للمونديال وقارنته بريبورتاج بثته فضائية مصرية عن مواطنين مصريين يشكون من ارتفاع أسعار لحوم الأضاحي!

ومن النماذج السوداء على هذه النقطة ما نشرته صحيفة "النهار" الجزائرية بتاريخ 21 نوفمبر الماضي تحت عنوان : "الشارع الجزائري : يا بو تفليقة .. اقطع العرق وسيل الدم" ، وهو تقرير يجب أن يدرس لطلبة كليات الحقوق لما يحتويه من عبارات سب وقذف ضد المصريين جميعا تدخل تحت طائلة العقوبات! ولكن الجملة التي تستوقفنا هنا في هذا التقرير عبارة على لسان سيدة جزائرية اسمها "ربيعة" من "الحراش" ، حيث قالت إنها يوميا "تشاهد كوابيس مصرية بطلها معلم صعيدي حامل سكينة ويجري على الجزائريين ليمزقه"!!!

.. ولا تعليق سوى أنه حتى تجاوزاتنا الإعلامية حتى الآن لم تصل إلى هذا المستوى الذي يفوق الخيال!

خامسا : أن كثيرين من المسئولين الرسميين والرياضيين والكرويين والإعلاميين الجزائريين ممن لعبوا أدوار "الضيوف الأشقاء" و"الأصوات الهادئة" في أزمة مباراتي القاهرة وأم درمان وكانوا يتحدثون بحرية تامة في الفضائيات المصرية بدعوى أنهم "أصوات العقل والأشقاء الحقيقيون" كانوا يتهكمون منا في إعلامهم بصورة لا يمكن التساهل معها ، ومن هؤلاء الإعلامي الجزائري حفيظ دراجي الذي وصف صراحة ملف مصر الذي عرضته على الفيفا بأنه "غير مجد" ، وقال إن "تسريبات إعلامية" من داخل الفيفا ذكرت أن جوزيف بلاتر رئيس الفيفا وصفه بأنه "ملف مضحك" ، وأنه لا يستحق أن يفكر فيه الجزائريون كثيرا ، رغم أن الحقيقة غير ذلك تماما!

سادسا : الإعلام الجزائري ليس قويا بهذه الدرجة التي تحدثنا عنها ، ولكن السبب الرئيسي الذي ساعد على نقل "الروايات الجزائرية" للأحداث هي وجود إعلام جزائري كثير ناطق بالفرنسية ، إضافة إلى وجود مراسلين جزائريين كثيرين يعملون في مكاتب وكالات الأنباء العالمية والصحف والمجلات الأوروبية العريقة اتي سقطت ضحية الاعتماد على هؤلاء المراسلين الذين لم يتسموا بالأمانة المهنية في نقل الأحدا ، فجميعهم بلا استثناء غلب عاطفة انتمائه لوطنه على النزاهة المهنية في تناول هذه الأزمة ، بعكس الإعلام المصري الذي انشق عنه – كالعادة – هواة الخروج عن المألوف لتحقيق أمجاد أو "مصالح" شخصية وتسجيل مواقف حزبية أو أيديولوجية.

¬** الطريف في الأمر أننا حاولنا أن نستطلع ما تكتبه الصحف الجزائرية عن موضوعات أخرى لنعرف ما إذا كانت هذه هي اللغة السائدة عموما لديهم أم أن هذا التسخين الإعلامي كان مرتبطا فقط بمواجهة "آل فرعون" ، فوجدنا أن الأمر مثير للضحك بالفعل ، فمن بين العناوين الغريبة التي لمحناها في صحف جزائرية بعد قرعة المونديال عنوانا يقول إن القرعة سهلة للجزائر ، وأن الجزائر تجنبت اللعب مع الكبار مع تصريح لرابح سعدان المدير الفني للمنتخب يؤكد خلالها أن صعود "الخضر" إلى الدور الثاني مضمون ، رغم أن ما لا يعرفه سعدان والإعلام الجزائري أن فريقهم وقع في مجموعة تضم إنجلترا والولايات المتحدة وسلوفينيا ، أو أن هيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي." نفسها علقت على القرعة بعد دقائق من انتهائها بقولها "القرعة تبتسم لإنجلترا"!

أما أطرف العناوين فكان لصحيفة جزائرية وقال "الجزائر في مواجهة محور الشر في جنوب أفريقيا" مما يعني أن الصحافة الجزائرية من الآن تتعامل مع منافسي الجزائر بنفس منطق الكراهية البغيضة الذي لا تعرفه الرياضة!

وحتى يكون ختامه مسكا نشير إلى تصريح للاعب خالد لموشية قال فيه إن الرئيس عبد العزيز بو تفليقة كان وراء تأهل الجزائر للمونديال "بنسبة 70%"!

وتعليق آخر مواز من قاريء يتحدث فيه عن محمد روراوة رئيس الاتحاد الجزائري قائلا : "هنيئا للجزائر برئيسها الثاني"!!

ملحوظة : كل من يعتقد بأن الأمور قد هدأت أو يجب أن تهدأ عليه أن يفتح الصحف الجزائرية "اليوم" ليتأكد من أن الأمر عكس ذلك!